عماد الدين خليل

185

دراسة في السيرة

الفصل السابع الصراع مع الوثنية ( المرحلة الثانية ) صلح الحديبية من مركز القوة الذي أحرزه المسلمون بعد الخندق ، قرر الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن ينطلق ليعتمر بأصحابه في مكة مستهدفا تحقيق أهداف ثلاثة ، أولها إشعار الناس جميعا أن علاقات الإسلام بالقوى الآخرى ليس شرطا لها أن تظل قائمة على الحرب والعنف والقتال ، وأن بالإمكان أن تسودها فترات من السلم والتهادن والتعايش المشترك على خلاف المذاهب والاتجاهات . وثانيها تجميد الصراع ضد قريش ، ذلك الذي استغرق معظم مساحات الدرب الطويل الذي اجتازته الدعوة الإسلامية ، والالتفات إلى الجهات الآخرى لغرض التركيز عليها ، سيما بعد التصعيد الذي شهده الصراع ضد اليهود من جهة ، وضد البيزنطيين وحلفائهم نصارى العرب من جهة أخرى . وأما ثالث الأهداف فهو إقرار حقيقة أن مكة ومقدّساتها ليست حكرا للوثنية تمارس فيها تقاليدها بحرية ، وتسيطر على مقدراتها ، فتسمح بدخولها لمن تشاء وتمنع من تشاء . . على العكس ، إن المسلمين أحفاد إبراهيم عليه السلام أبي الحنيفية ، وباني الكعبة ، أحق وأجدر بدخول الحرام الآمن ، وممارسة شعائرهم القائمة على التوحيد الخالص ، الذي من أجله أقيم البلد الحرام في الوادي غير ذي الزرع . ثم أن المسلمين المهاجرين ورسولهم صلى اللّه عليه وسلم لا زالوا يحنّون وطنهم القديم ويطوون جوانحهم - عبر سني الصراع الطويل - على الشوق العارم إلى الديار التي ولدوا فيها ، وترعرعوا بين أكنافها ، وآثروا دعوة الحق بين طرقاتها وأحيائها . . الحنين الذي كان بلال قد باح به في أيام الهجرة الأولى ، والحمى تعتصره :